محمد بن محمد ابو شهبة
205
المدخل لدراسة القرآن الكريم
لفظ « اليتيم » فيكون في ذلك إخلال باللفظ وإفساد للمعنى ، وفي ذلك ضرران محققان ، وأمران محظوران ؛ وإما أن يقرئه المعنى بلفظ يستقيم به لسانه ؛ فيستقيم المعنى ، ويبقى الإخلال باللفظ ريثما يتسهل له النطق بالأصل ففيه ضرر واحد . ولا شك أن ارتكاب أخف الضررين ، وأهون المحظورين - عند الضرورة - أولى من ارتكابهما معا . قال القرطبي في تفسيره « 1 » - نقلا عن أبي بكر الأنباري - : ولا حجة في هذا للجهال من أهل الزيغ أنه يجوز إبدال الحرف من القرآن بغيره ؛ لأن ذلك إنما كان من عبد اللّه تقريبا للمتعلم ، وتوطئة له للرجوع إلى الصواب ، واستعمال الحق ، والتكلم بالحرف على إنزال اللّه ، وحكاية رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . وقال صاحب الانتصاف تعقيبا على قول الزمخشري : قال أحمد « 2 » : لا دليل لذلك وقول أبي الدرداء محمول على إيضاح المعنى ، ليكون وضوح المعنى عند المتعلم عونا على أن يأتي بالقراءة كما أنزل . . . على هذا حمله القاضي أبو بكر في كتاب « الانتصار » وهو الوجه . وكذلك أنس - رضي اللّه عنه - لم يرد أن هذا قرآنا ، وإنما أراد توضيح المعنى ، وتفسير لفظ القرآن ، قال الإمام الرازي في تفسيره « 3 » بعد أن ذكر رواية أنس ، استدلال ابن جني بها على الجواز : وأنا أقول : يجب أن نحمل ذلك على أنه إنما ذكر تفسيرا للفظ القرآن ، لا على أنه جعله نفس القرآن ، إذ لو ذهبنا إلى ما قاله ابن جنّي لارتفع الاعتماد عن ألفاظ القرآن ولجوزنا أن كل أحد عبر عن المعنى بلفظ رآه مطابقا لذلك المعنى ، ثم ربما أصاب في ذلك الاعتقاد ، وربما أخطأ ، وهذا يجر إلى الطعن في القرآن ،
--> ( 1 ) ج 16 ص 149 . ( 2 ) هو الإمام أحمد بن المنير عالم الإسكندرية وقاضيها وخطيبها ، وهو صاحب كتاب « الانتصاف من صاحب الكشاف » . ( 3 ) ج 8 ص 237 .